السيد محمد تقي المدرسي
104
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
السلام يشدنا إلى معارفهم وسيرتهم ، ويشدنا إلى أوليائهم ، ويجعل تنفيذ تعاليم الاسلام التي وصلت الينا عبرهم أيسر علينا . 2 / وكذلك كان دعاء النبي إبراهيم عليه السلام عندما همّ بتوديع ذريته ، الذين أسكنهم عند بيت الله الحرام ، كان دعاءه لربه أن يمنحهم ودَّ أفئدة من الناس ، لكي تهوي إليهم . فقال ربنا : ( رَبَّنَآ إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِنَ الَّثمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) ( إبراهيم / 37 ) وهكذا سأل النبي إبراهيم عليه السلام ربه أولًا حب ذريته من قبل أفئدة من الناس ، ثم سأله أن يرزقهم من الثمرات . 3 / وهكذا بشّر الله المؤمنين من عباده ، أنَّ الله سيجعل لهم وداً ، فقال سبحانه : ( إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ) ( مريم / 96 ) ولعلّ هذا الودّ هو الحب الذي يجعله الرب في أفئدة المؤمنين تجاه بعضهم البعض . 4 / وقد ألّف الله بين القلوب المؤمنة بهذه الصلة الوثيقة ، حتى أنهم أصبحوا رحماء بينهم . قال الله تعالى : ( مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْاهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ) ( الفتح / 29 ) 5 / وبهذه الصلة الايمانية كانوا أذلاء على بعضهم ، وبهذه الصلة كانوا يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة . بلى ؛ كمثل ذلك الحب الذي يجعل الأم تضحي من أجل رضيعها ، إنه هو الحب الذي جعل مسلمي المدينة يؤثرون على أنفسهم ، ويقاسمون المهاجرين ديارهم وأموالهم دون أن يريدوا جزاءً أو شكوراً . قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوْا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّآ أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ( الحشر / 9 ) بلى ؛ الحب هو مفتاح أكثر الفضائل الانسانية . ألا ترى كيف قدّم أهل البيت عليهم السلام أقراص الرغيف للمسكين واليتيم والأسير بالرغم من حاجتهم الشديدة إليها وجوعهم الممض ؟